دارفور: من أزمة دولة إلى صراع القوى العظمى

يخوض هذا الكتاب في قضية راهنة وحساسة هي قضية إقليم دارفور السوداني.

ويكتسي أهميته الكبيرة ليس فقط من تناوله المشكلة من مختلف أبعادها، الجغرافية والاجتماعية والسياسية، بل من وضعها في سياقاتها الواقعية ومن البحث في مفاعيلها الراهنة، خاصة بعد صدور مذكرة المحكمة الجنائية الدولية، القاضية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير في الرابع من مارس/آذار 2009 على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وضد المدنيين في دارفور.

وبصرف النظر عن تفاعلات وتداعيات صدور المذكرة، فإن مأساة الإقليم تضاف إلى مآسي وهموم المنطقة العربية المشحونة بالتوتر.

فهذا الإقليم الذي يمثل قطعة إستراتيجية هامة من أرض السودان الشاسعة والذي سلطت عليه الأضواء، عاش فصولا من المعاناة آن لها أن تنتهي، بعد أن أوقع العنف على أرضه عشرات الآلاف من القتلى، وتسبب بنزوح وتهجير مئات الآلاف.

ولا شك في أن النزاع في دارفور هو نزاع معقد، ويتطلب فهمه معرفة خلفياته وخلفيات التطورات الجارية في الإقليم وعلاقة تطور المشكلة بالديناميات القومية والإقليمية والدولية.

ومؤلف الكتاب هو د. عبده مختار موسى، أكاديمي وكاتب سوداني، يعمل أستاذاً في العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية، وشغل وظيفة رئيس قسم العلوم السياسية بالجامعة الإسلامية في السودان (2005 – 2008)، وعمل باحثاً في مركز السودان للبحوث والدراسات الإستراتيجية (2006 – 2008).

كما عمل صحفيا في مجلة سوداناو، التي تصدر باللغة الإنجليزية، ورئيس تحريرها، وكذلك عمل مراسلا لوكالة إنتر برس سيرفيس. وصدر له أربعة كتب وعدد من البحوث باللغتين الإنجليزية والعربية.

-الكتاب: دارفور.. من أزمة دولة إلى صراع القوى العظمى

-عدد الصفحات: 391

-الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ومركز الجزيرة للدراسات، بيروت – الدوحة، 2009

-المؤلف: عبده مختار موسى

-الطبعة: الأولى/ 2009

تركيبة الإقليم


--------------------------------------------------------------------------------




مثّل أقيلم دارفور سلطنة قديمة تداخلت عبر التاريخ مع مثيلاتها من سلطنات التنجر ووداي وكانم برنو غرباً وممالك كردفان وممالك النيل في السودان الحالي شمالا.

وتأثر هذا التداخل والحركة السكانية بعمق بدخول العروبة والإسلام، ونتج عن هذا التنوع والاختلاط العربي الأفريقي الموزايك الذي يشكل التركيبة السودانية بكل وحدتها وتناقضاتها.

وينقسم إقليم دارفور في غربي السودان إلى ثلاث ولايات، وفق قانون الحكم الفدرالي لعام 1994.

وتمتد حدوده مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى، وتبلغ مساحته حوالي 570 ألف كيلومتر مربع وعدد سكانه يفوق ستة ملايين نسمة، من قبائل الفور والزغاوة والمساليت والبرتي والتاما والبرقو والرزيقات والتعايشة والمسيرية وبني هلبة والمعاليا والسلامات والمحاميد والمهيرية والترجم وغيرهم.

ولغة تخاطب سكان الإقليم هي اللغة العربية المشتركة بين هذه القبائل التي نجد من بينها من يمتلك لغة خاصة ومن يتحدث العربية فقط.

ويدين كل سكان الإقليم بالإسلام، ويطلق على دارفور دار القرآن، لكثرة حفظة القرآن فيها.

أبعاد المشكلة

يحاول مؤلف الكتاب تقديم صورة كاملة وواضحة عن مشكلة الإقليم من خلال اتباعه منهجاً تاريخياً وصفياً، يهدف إلى الكشف عن السياق المحلي، المجسد في أزمة الدولة، والإطار الإقليمي، الممثل في التداخل الأنثربولوجي والجيوسياسي، والبعد الدولي، الذي يمثله صراع القوى العظمى، وتوصيف الأسباب والعوامل التي أدت لتفاقمها مع محاولة استشراف المستقبل من خلال اقتراح تغيير منهج التعاطي مع أزمات الدولة السودانية.

وينطلق من مجموعة من الفرضيات، التي تعتبر أن مشكلة دارفور نتجت عن صراع داخلي محلي حول الموارد، بين المزارعين والرعاة، وحول المياه والأرض، فأدت عوامل الجهل والتخلف، مع غياب التنمية، إلى تفاقمه.

"الحكومة والحركات الدارفورية، يتحملان المسؤولية في ما وصلت إليه المشكلة وما آلت إليه الأوضاع الإنسانية والأمنية

" وقد نقلت النخبة الدارفورية المشكلة إلى صراع مع المركز، نظراً لغياب التنمية الشاملة وغياب العدالة في توزيع السلطة والثروة، إلى جانب الإقصاء والتهميش.

يضاف إلى ذلك عوامل تعقيد إضافية للمشكلة، تجسدت في التداخل القبلي مع دول الجوار والاضطرابات في تشاد.

وأفضى الخطأ في منهج حكومة الإنقاذ الوطني في تعاملها مع المشكلة إلى تعقيدها وتدويلها.

وعليه فإن الطرفين، الحكومة والحركات الدارفورية، يتحملان المسؤولية في ما وصلت إليه المشكلة وما آلت إليه الأوضاع الإنسانية والأمنية، حيث شكلت الآثار الإنسانية وفظائع الحرب نافذة ومبرراً للتدخل الأجنبي وتدويل القضية.

وقد عرقل عملية تحقيق السلام كثرة الحركات وانشقاقاتها، وتعدد المبادرات وتشتتها بين الداخل والخارج.

كما أن المجتمع الدولي أخطأ عندما أقبل على المشكلة باعتبارها صراعا بين حكومة ومتمردين مع سوء فهم لطبيعة المجتمع السوداني والدارفوري زاد من حجم الأزمة.

وبالتالي فإن مشكلة دارفور قد يصدق عليها القول بأنها حتمية، وإن انفجارها كان ينتظر اللحظة التاريخية المناسبة، حيث توافرت كل المعطيات والظروف الموضوعية التي تجعل منها أمراً لا مفر منه، ليس بحساب الصراع التقليدي الداخلي وحسب، بل وفق معطيات التفاعلات الإقليمية والدولية.

هذه الأزمة وليدة لأزمة الدولة وأزمة المجتمع في السودان، بل تشكل نموذجاً لأزمة الدولة والهوية في العالم الثالث

أزمة الدولة والمجتمع

وفي سياق محاولته وضع أزمة دارفور في سياقها الشامل، يرى المؤلف أن هذه الأزمة وليدة لأزمة الدولة وأزمة المجتمع في السودان، بل تشكل نموذجاً لأزمة الدولة والهوية في العالم الثالث، الأمر الذي يستدعي النظر في الإطار الاجتماعي للسياسة وفي سوسيولوجيا الدولة لتجنب الوقوع في تصورات اختزالية لواقع هذه المجتمعات.

وعليه فإن النظرة الشمولية للواقع المجتمعي المتعدد هي الكفيلة بتشريح بنياته ومجالاته وأبعاده دون الاعتماد الكلي على جانب واحد.

وتبدو مشكلات إقليم دارفور على غاية من التعقيد والتركيب، إذ مع مرور الوقت انتشر الوعي بحدة تلك المشكلات، خاصة مع ظهور نخبة متعلمة من أبناء الإقليم، فارتفعت أصوات المطالبين بالتنمية وتوفير الخدمات الأساسية التي تتمتع بها بقية أقاليم السودان، وإن بدرجات متفاوتة.

ولم تجد مطالبهم الاستجابة الكافية أو الاهتمام اللازم من الحكومة المركزية منذ ستينيات القرن العشرين، فبدأ التصعيد، وانفجرت الأزمة تزامناً مع ثورة الاتصالات، ونشأة الفضائيات، واتساع دائرة استخدام الشبكة العنكبوتية، وتوفر منابر دولية ومناخ سياسي عالمي غير قابل بأطروحات "التطهير العرقي" و"انتهاك حقوق الإنسان" و"الإبادة الجماعية" و"التهميش" و"الإقصاء" إلى غير ذلك.

ويسكن المؤلف سعي يتجسد في وضع المشكل السوداني الأساسي في أبعاده الكاملة، كي يتصدى لجوهر الأزمة ويبحث في أسبابها الحقيقية، ذلك يركز على ضرورة فهم طبيعة المجتمع السوداني وتركيبته، وهيكل القوى الفاعلة وعلاقتها بالتركيبة الاجتماعية، ودور النخبة السياسية، وكيف أسهمت في تعقيد المشكلات الموروثة والمتراكمة. فتولدت أزمات لولبية، كشفت هشاشة الدولة في السودان وبدأت تهدد استقرارها وتماسكها بل وجودها.

وتتضح صورة مشكل الإقليم بالتأمل في خارطته بتعقيداتها الأنثروبولوجية وأبعادها الجيوسياسية، حيث التقت الموجات العربية الوافدة بالسكان الأصليين من الزنوج والأفارقة، فكانت الحالة السودانية الأكثر تعقيداً، وسيطرت عرقيات محددة على السلطة والثروة، وتداولتها فيما بينها عبر الزمن، فأصبحت مجموعات عرقية كبيرة تشعر بأنها مهمشة ومحرومة، وأنهم مواطنون من الدرجة الثانية.

ومع ارتفاع مستوى الوعي تبلور الإحساس بالغبن الاجتماعي، وزاد الوعي بالظلم الاقتصادي والإقصاء السياسي فكانت النتيجة دولة مضطربة، فشلت فيها النخبة الحاكمة في أن تحقق التوازن السياسي والعدالة الاقتصادية والاستيعاب الثقافي والاندماج الاجتماعي.

هذه الدولة المضطربة، وبموقعها الإستراتيجي المميز ومواردها الكبيرة والمتنوعة، كان من الطبيعي أن تصبح هدفاً للأطماع الدولية. ولذلك كانت مسرحاً لعودة الصراع بين القوى العظمى عبر بوابة دارفور.

وقد زاد من تعقيدات أزمة الدولة في السودان، انطلاقاً من نموذج الجنوب ودارفور، أن النخبة السودانية لم تع بما فيه الكفاية، أو ربما لم تعترف، بتعدد الهويات وتنوع الإثنيات.

كما أنها لم تعمل في الواقع بما يحقق إدماج هذه الفسيفساء في بوتقة انصهار حقيقية، ثم إدارة هذا التنوع بعدالة وشفافية وتوازن يحقق التكامل الوطني والوحدة المستدامة.

فأزمة دارفور ما هي، في التحليل النهائي، إلا تعبير عن تظلمات واحتقانات اعتملت في دواخل المهمشين وتبلورت في عقول نخبتها عبر الزمن। فانتقل الصراع من صراع قبلي حول الموارد المحدودة إلى صراع مع المركز الذي -في نظر النخبة الدارفورية- لم يوظف هذه الموارد، عبر التنمية، لتتسع للجميع فكان الانفجار، وكانت الأزمة.




"السودان قد يظل يعاني من أزمات ربما تؤدي لتمزيق هذه الدولة التي تلقت الضربات المتتالية من الحروب الأهلية فأصبحت ضعيفة ومضطربة وهشة "

مفاعيل الأزمة

يرى المؤلف أن الحديث عن التهميش كأحد مفاعيل الأزمة وديناميكياتها لا يعني انحيازا لدارفور، وإنما اعترافا بقضية تطورت إلى أزمة بسبب القصور المنهجي في تعامل النخبة السياسية مع أزمة الدولة وأزمة المجتمع في السودان.

هذا القصور المنهجي هو الذي يطوّر المشكلات إلى أزمات مستعصية تهدد كيان الدولة كلها.

فمثلاً حل مشكلة الجنوب، بعد حرب طويلة، باتفاقية سلام أعطت الجنوب ما يريد لكنها أرست تقليدا جديدا للمناطق المشابهة، في التخلف والتظلم، بأن الطريق الوحيد للحصول على نصيب في معادلة الثروة والسلطة هو حمل السلاح في وجه السلطة المركزية.

لذلك كانت هناك مشكلة جبال النوبة، ثم مشكلة الشرق، ثم مشكلة دارفور. كما ظهرت حركات في إقليم كردفان المجاور لدارفور تمثلت في "شهامة" و"شمم" و"تجمع كردفان للتنمية: كاد".

وهكذا كلما وقعت الحكومة اتفاق سلام تندلع الحرب في مكان آخر من السودان، ذلك لأن الحكومة لم تنظر لأزمة الدولة السودانية في كلياتها.

ولذلك يعتبر المؤلف أن السودان قد يظل يعاني من أزمات ربما تؤدي لتمزيق هذه الدولة التي تلقت الضربات المتتالية من الحروب الأهلية فأصبحت ضعيفة ومضطربة وهشة.

ومع إنتاج نفطي واعد، وموارد مائية ومعدنية وحيوانية وزراعية هائلة أصبحت هدفا للأطماع الدولية. لذلك كان التدخل الأجنبي والصراع الدولي حول السودان من مدخل دارفور.

ويقرأ المؤلف هذه العوامل في سياق المتغيرات الدولية الحاصلة، مثل هيمنة الولايات المتحدة الأميركية، وامتداد نفوذها من خلال النظام الدولي الجديد ومقتضيات العولمة.

وتقاطع ذلك مع إحياء النفوذ الفرنسي القديم، مقروناً بصعود الصين وانتشارها اقتصاديا في أفريقيا، مقروءا مع ظهور موارد إستراتيجية مهمة في السودان، كالنفط واليورانيوم، أدى إلى اهتمام دولي بالمنطقة، وهو اهتمام لا يخلو من صراع بسبب تقاطع مصالح هذه القوى. لذلك يهدف هذا الكتاب لكشف كل الأبعاد والعوامل المتفاعلة في أزمة دارفور.

" السودان -بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال- ما زال يعاني من أزمة التكامل القومي "

آفاق الحل

الواقع هو أن السودان -بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال، ما زال يعاني من أزمة التكامل القومي- وما زال يبحث عن خيوط الوحدة وعناصر نسيجها وميكانيزمات توازنها والديناميكية اللازمة لاستمرارها.

وقد ظهرت أزمة الدولة وأزمة المجتمع في السودان في سياق جدليات متعددة مثل: عربي وزنجي، وشمالي وجنوبي، ومسلم ومسيحي، والمركز والأطراف، أو المركز والهامش.

وفي ظل غياب الرؤية السياسية لمعالجة هذه الثنائيات والتعددية في بوتقة انصهار واحدة لإحداث التكامل القومي والوحدة الوطنية تحولت هذه المكونات إلى تناقضات أفضت إلى صراع هويات।




وظهرت -تبعاً لذلك- مفاهيم جديدة مثل التهميش والإقصاء والاستعلاء الثقافي والطبقية العرقية. لذلك يطالب المؤلف بالنظر أولاً إلى جذور أزمة الدولة وأزمة المجتمع من خلال أزمة الهوية.

ويطالب المؤلف بتحول حقيقي، أو حل جذري، يستدعي معالجة أزمة المجتمع وأزمة الدولة بكل مكوناتها، من خلال اعتماد خطاب وطني محايد ومنهج قومي جامع لتكوين أمة سودانية، وتطبيق ديمقراطية سليمة وبناء ثقافة سياسية تؤسس لها، وتغيير سلوك النخبة السياسية وخطابها المشوه الذي زرع الإحساس بالإقصاء والتهميش، وإرساء أسس جديدة للتنمية الإنسانية العادلة والشاملة.